ابن الحسن النباهي الأندلسي
45
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
يكون القيام فيه حسنا ، فهو أن يقوم الرجل للقادم عليه من سفر ، فرحا بقدومه ليسلم عليه ، أو إلى القادم عليه مسرورا بنعمة أولاها اللّه إيّاه ، ليهنّئه بها ، أو القادم عليه المصاب بمصيبة ليعزّيه بمصابه ، وما أشبه ذلك . وعلى هذا يتخرّج ما ورد في هذا الباب من الآثار ، ولا يتعارض شيء منها . قال شهاب الدين أحمد بن إدريس ، وقد أشار إلى الأوجه المفسّرة في « البيان » : وبهذا يجمع بين قوله - عليه الصلاة والسلام - : « من أحبّ أن يتمثّل له الرجال قياما ، فليتبوّأ مقعده من النار » ! وبين قيامه - عليه الصلاة والسلام - لعكرمة بن أبي جهل ، لما قدم من اليمن ، فرحا بقدومه ، وقيام طلحة بن عبيد اللّه لكعب بن مالك ، ليهنّئه بتوبة اللّه عليه ، بحضوره عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه ، ولا قام من مجلسه . فكان كعب يقول : « لا أنساها لطلحة » وكان عليه الصلاة والسلام يكره أن يقام له ؛ فكانوا إذا رأوه ، لم يقوموا له ، لعلمهم بكراهيّته لذلك . وإذا قام إلى بيته ، لم يزالوا قياما حتّى يدخل بيته . قال : لمّا يلزمهم من تعظيمه ، قبل علمهم بكراهيّته لذلك . وقال عليه الصلاة والسلام للأنصار : « قوموا لسيّدكم » قيل : تعظيما له ، وهو لا يريد ذلك ؛ وقيل : ليعينوه على النزول عن الدابّة . وحكى أحمد أنه كان عند عزّ الدين بن عبد السلام ، من أعيان علماء الشافعيّة ، فحضرته فتيا : « ما تقول في القيام الذي أحدثه الناس في هذا الزمان ؟ هل يحرم ، أم لا ؟ » فكتب رحمه اللّه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ! وكونوا عباد اللّه إخوانا » وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة . فلو قيل بوجوبه ، ما كان بعيدا . فقرأتها بعد كتابته والناس تحدث لهم أحكام بقدر ما يحدثون من الأحوال ، من السياسات والمعاملات والاحتياطات ؛ وهي على القوانين الأول . ثم قال : ويلحق بالقيام النعوت المعتادة وأنواع المكاتبات ، على ما قرّره الناس في المخاطبات ؛ وهذا النوع كثير لم تكن أسبابه في السلف ، غير أنّه تقرّر في قاعدة الشرع اعتبارها ، كما قال الشيخ : فإذا وجدت ، وجب اعتبارها . انتهى . وروى بعضهم أنّ مالكا قيل له : « ما تقول في الرجل يقوم الرجل له للفضل